الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
359
نفحات الولاية
لَهُمْ مِنّا الحُسْنى » . فالعبارة تفيد أنّ خلط الحق والباطل لا يمنع من معرفة الباطل وان تطلب ذلك قدرا من البحث والتحري والرجوع إلى الآخرين ، ومن هنا قال الإمام عليه السلام بأنّ خلط الحق بالباطل لا يؤثر في أولياءاللَّه ، بينما يؤثر على أولياء الشيطان فيقودهم إلى الغواية والظلال . فالواقع هو أنّ مزج الحق بالباطل بمثابة الضوء الأخضر لعبدة الأهواء وذريعة لاتباع الشيطان لخداع أنفسهم فيستدلوا على الآخرين بأنا سلكنا هذا لطريق لأنا اعتمدنا الدليل الفلاني ( الذي يمثل الحق الممزوج بالباطل ) . نعم يمكن أن يقع بعض المستضعفين الفكريين والسذج جهلًا في حبائل الشيطان ، والحال لو كان لهم زعيم ومرشد لما شهدوا مثل هذا المصير وعليه فالأمة إزاء مزج الحق بالبطل على ثلاثة طوائف : الطائفة الأولى « إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنى » « 1 » وبعبارة أخرى المخلصون من اتباع الحق ينجون بلطف اللَّه من هذه الفتنة . الطائفة الثانية عبدة الأهواء أتباع الحجج والذرائع الذين يقتحمون الباطل بذريعة الحق فيتجهون عن شبه علم إلى حبائل الشيطان . الطائفة الثالثة السذج من الأفراد الذين يتعذر عليهم تمييز الحق من الباطل في ظل هذا المزج الخطير فيسقطون جهلًا في مصائد الشيطان ، إلّاأن يركنوا إلى زعيم عالم . وقد ورد مثل هذا المعني في الخطبة 38 حين عرض الإمام عليه السلام للشبهة وسبيل النجاة منها فقال عليه السلام « وإنّما سميت الشبهة شبهة لأنّها تشبه الحق ، فأما أولياء اللَّه فضياؤهم فيها اليقين ، ودليلهم سمت الهدى ، وأما أعداء اللَّه فدعاؤهم فيها الضلال . . . » . تأمّلات 1 - أساس الفتن إنّ التأريخ الإسلامي ولا سيما إبان القرن الأول والثاني ملي بالفتن الغريبة والأليمة التي كادت تقضي على جهود النبي صلى الله عليه وآله وصحبه الميامين ، ولولا تلك الفتن التي عصفت بالإسلام لما
--> ( 1 ) العبارة اقتباس من الآية 101 من سورة الأنبياء « إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ » التيوردت بعد الحديث عن جهنم ، في إشارة إلى أنّ هذه الطائفة ناجية من النار ، ولما كانت فتن الدنيا هي جهنمها ، فقد استثنى عليه السلام هذه الطائفة من هذه الفتن .